خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير : الدَّعوةُ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، للدكتور أحمد رمضان
خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026 بعنوان : الدَّعوةُ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 18 شعبان 1447هـ ، الموافق 6 فبراير 2026م.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م بصيغة word بعنوان : الدَّعوةُ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان لـ صوت الدعاة.
انفراد لتحميل خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م بصيغة pdf بعنوان : الدَّعوةُ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، للدكتور أحمد رمضان.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م بعنوان : الدَّعوةُ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ أَصْلُ الدِّينِ وَمِنْهَاجُ الأَنْبِيَاءِ
العُنْصُرُ الثَّانِي: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالرِّفْقِ
العنصرُ الثالثُ: الدَّعْوَةُ بِالْقُدْوَةِ وَالصَّبْرِ وَالْبَصِيرَةِ
العنصر الرابع: أثرُ المغالاةِ في تكاليفِ الزواجِ (مبادرة صحح مفاهيمك).
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م : الدَّعوةُ بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:
الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ
18 شعبان 1447هـ – 6 فبراير 2026م
إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، شهادةً نرجو بها النجاةَ يومَ الدينِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وصفيُّهُ وخليلُهُ. أمَّا بعدُ،،،
عناصر الخطبة:
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ أَصْلُ الدِّينِ وَمِنْهَاجُ الأَنْبِيَاءِ
العُنْصُرُ الثَّانِي: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالرِّفْقِ
العنصرُ الثالثُ: الدَّعْوَةُ بِالْقُدْوَةِ وَالصَّبْرِ وَالْبَصِيرَةِ
العنصر الرابع: أثرُ المغالاةِ في تكاليفِ الزواجِ (مبادرة صحح مفاهيمك).
فيا عبادَ اللهِ، اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، واعلموا أنَّ أعظمَ ما تحتاجُهُ هذه الأمةُ في زمنِ الفتنِ والاضطرابِ، هو إحياءُ منهجِ الدعوةِ إلى اللهِ كما أرادها القرآنُ، وكما مارسها النبيُّ ﷺ؛ دعوةً بالحكمةِ، والرحمةِ، والبصيرةِ، لا بالقسوةِ والتنفيرِ، ولا بالغلظةِ والتشديدِ، ولا بتبغيضِ الناسِ في دينِ اللهِ.
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ أَصْلُ الدِّينِ وَمِنْهَاجُ الأَنْبِيَاءِ
أيها المسلمونَ، اعلموا يقينًا أنَّ الدعوةَ إلى اللهِ ليست عملًا هامشيًّا في هذا الدينِ، ولا نافلةً من النوافلِ، ولا اختصاصًا محصورًا في العلماءِ أو الخطباءِ فقط، بل هي غايةُ الخلقِ، وجوهرُ الرسالةِ، ومناطُ الاستخلافِ في الأرضِ.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: “إِنَّمَا خَلَقْتُهُمْ لِآمُرَهُمْ بِعِبَادَتِي، لَا لِاحْتِيَاجِي إِلَيْهِمْ”. (تفسير ابن كثير، ج7، ص402).
فهذه الآيةُ – عبادَ اللهِ – ليست بيانًا لمجردِ عبادةٍ فرديّةٍ بين العبدِ وربِّهِ، بل هي بيانٌ لوظيفةِ الإنسانِ في الأرضِ؛ إذ كيف تتحققُ العبوديةُ في واقعِ الناسِ إذا لم يُعرَّفوا باللهِ؟ وكيف يُوحَّدُ ربُّ العالمينَ إذا لم تُحمَلْ دعوتهُ إلى الخلقِ؟
ولهذا كانت الدعوةُ إلى اللهِ امتدادًا طبيعيًّا للغايةِ التي خُلقَ الناسُ من أجلها، لا عملًا طارئًا، ولا نشاطًا موسميًّا، بل ضرورةً لبقاءِ الدينِ واستقامةِ الحياةِ.
أولًا: الدعوةُ إلى الله قاسمٌ مشتركٌ بين جميعِ الرِّسالاتِ
إذا تأمَّلنا كتابَ اللهِ وجدناهُ يقرِّرُ حقيقةً كبرى، وهي أنَّ جميعَ الأنبياءِ جاؤوا بدعوةٍ واحدةٍ، وإن اختلفتِ الشرائعُ وتنوَّعتِ الأحكامُ. قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] قال الإمامُ الطبريُّ رحمهُ اللهُ: “وَمَا أَرْسَلْنَا يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَىٰ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ لَهُ سِوَايَ فَاعْبُدُونِ، يَقُولُ: فَأَخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ، وَأَفْرِدُوا لِيَ الْأُلُوهِيَّةَ. (جامع البيان، ج17، ص485).
فنوحٌ دعا، وإبراهيمُ دعا، وموسى دعا، وعيسى دعا، عليهم السلام، ومحمدٌ ﷺ دعا، والدعوةُ واحدةٌ، والغايةُ واحدةٌ: إخراجُ الناسِ من عبادةِ العبادِ إلى عبادةِ ربِّ العبادِ، ومن ظلماتِ الجهلِ إلى نورِ الإيمانِ.
قال ابنُ القيمِ رحمهُ اللهُ: “الْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا بُعِثُوا بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ وَهَدَايَتِهِمْ، وَنَفْعِهِمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، لَمْ يُبْعَثُوا بِالْخَلَوَاتِ وَالِانْقِطَاعِ عَنِ النَّاسِ وَالتَّرَهُّبِ، وَلِهَذَا أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ هَمُّوا بِالِانْقِطَاعِ لِلتَّعَبُّدِ، وَتَرْكِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ”. (مدارج السالكين، ج1، ص108).
ثانيًا: الدعوةُ عنوانُ النبوَّةِ، وأشرفُ أوصافِ المرسلينَ
أيها المسلمونَ، لم يُكثرِ القرآنُ من ذكرِ معجزاتِ الأنبياءِ بقدرِ ما أكثرَ من ذكرِ مواقفهم الدعويةِ، وصبرهم، وبلاغهم، ومجاهدتهم في سبيلِ هدايةِ الناسِ؛ لأن الرسالةَ لا تقومُ بالخوارقِ، وإنما تقومُ بالبلاغِ.
نوحٌ عليه السلام يقولُ: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح: 5] قال ابن كثير رحمهُ اللهُ: “لَمْ أَتْرُكْ دُعَاءَهُمْ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، امْتِثَالًا لِأَمْرِكَ وَابْتِغَاءً لِطَاعَتِكَ”. (ابن كثير ج8، ص231).
تسعمائةٌ وخمسون عامًا من الدعوةِ، ومع ذلك لا يؤمنُ معهُ إلا قليلٌ، فلا ييأسُ، ولا يتهمُ الناسَ، ولا يتركُ البلاغَ؛ لأنَّ الداعيةَ مأمورٌ بالبلاغِ لا بالنتائجِ.
وهنا قاعدةٌ عظيمةٌ في الدعوةِ: النجاحُ في الدعوةِ ليس بكثرةِ المستجيبينَ، وإنما بصدقِ البلاغِ والثباتِ على المنهجِ.
ثالثًا: خيريةُ هذه الأمةِ معلَّقةٌ بالدعوةِ لا بالانتسابِ
قال اللهُ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] ثم قال مباشرةً: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
قال الإمامُ القشيري رحمهُ اللهُ: “لَمَّا كَانَ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَشْرَفَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ أُمَّتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَيْرَ الْأُمَمِ، وَلَمَّا كَانُوا خَيْرَ الْأُمَمِ كَانُوا أَشْرَفَ الْأُمَمِ، وَلَمَّا كَانُوا أَشْرَفَ الْأُمَمِ كَانُوا أَشْوَقَ الْأُمَمِ، فَلَمَّا كَانُوا أَشْوَقَ الْأُمَمِ كَانَتْ أَعْمَارُهُمْ أَقْصَرَ الْأَعْمَارِ، وَخُلِقُوا آخِرَ الْخَلَائِقِ لِئَلَّا يَطُولَ مَكْثُهُمْ تَحْتَ الْأَرْضِ”. (تفسير القشيري، ج1، ص270). وَقَالَ الشَّعْرَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «هَذِهِ الْخَيْرِيَّةُ لَهَا مُوَاصَفَاتٌ وَعَنَاصِرُ: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، فَإِنْ تَخَلَّفَ عُنْصُرٌ مِنْ هَذِهِ الْعَنَاصِرِ، انْحَلَّتْ عَنْكُمُ الْخَيْرِيَّةُ، فَالْخَيْرِيَّةُ لَكُمْ بِأَشْيَاءَ هِيَ: أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، نَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِيمَانٌ بِاللَّهِ». تَفْسِيرُ الشَّعْرَاوِيِّ (ج3، ص 1676). فليست الأمةُ بخيرٍ إن سكتَ علماؤُها، وخمدَ دعاتُها، واكتفى أفرادُها بالسلامةِ الفرديّةِ.
رابعًا: الدعوةُ فريضةٌ باقيةٌ إلى قيامِ الساعةِ
قال اللهُ تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: 104] قال محمد سيد طنطاوي رحمهُ اللهُ: “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ طَائِفَةٌ قَوِيَّةُ الإِيمَانِ عَظِيمَةُ الإِخْلَاصِ، تَبْذُلُ أَقْصَى طَاقَتِهَا وَجُهْدِهَا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي يُصْلِحُ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَفِي أَمْرِهِمْ بِالتَّمَسُّكِ بِالتَّعَالِيمِ وَبِالأَخْلَاقِ الَّتِي تُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْعُقُولَ السَّلِيمَةَ، وَفِي نَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي يَأْبَاهُ شَرْعُ اللَّهِ، وَتَنْفِرُ مِنْهُ الطِّبَاعُ الْحَسَنَةُ” (تفسير الوسيط، ج2، ص202).
وقال الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ: “إِنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ أَثِمَ كُلُّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ وَلَا خَوْفٍ”. (شرح مسلم، ج2، ص216).
خامسًا: شرفُ الداعيةِ ومنزلتُهُ عندَ اللهِ
قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: 33]، وقال النبيُّ ﷺ: “مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» رواه مسلم (1893). وقال ﷺ لعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: “فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» متفقٌ عليهِ، البخاري (4210)، ومسلم (2406).
العُنْصُرُ الثَّانِي: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالرِّفْقِ
أيُّها المسلمونَ إذا كانتِ الدعوةُ إلى اللهِ أصلَ الخلقِ، وسرَّ الرسالاتِ، ومناطَ خيريةِ الأُمَّةِ، فإنَّ الحكمةَ والرِّفقَ هما الروحُ التي تحيا بها الدعوةُ، والميزانُ الذي تُوزَنُ بهِ، والمفتاحُ الذي تُفتحُ بهِ القلوبُ، فليس كلُّ حقٍّ يُقالُ يُقبلُ، ولا كلُّ صوابٍ يؤثِّرُ، وإنَّما تُؤتى القلوبُ من أبوابِها، وتُستمالُ بالحكمةِ، وتُفتحُ بالرِّفقِ، وتُهذَّبُ بالرَّحمةِ، قال اللهُ تعالى ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
قال الإمامُ الطبريُّ رحمهُ اللهُ: “إِلَى شَرِيعَةِ رَبِّكَ الَّتِي شَرَعَهَا لِخَلْقِهِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، بِالْحِكْمَةِ، وَبِالْعِبَرِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ”. (جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، ج14، ص330)، فالحكمةُ فقهٌ بالخطابِ، ومعرفةٌ بالواقعِ، وإحسانٌ في تنزيلِ الأحكامِ على القلوبِ.
أيُّها المسلمونَ ومن أعظمِ ما يُفسدُ الدعوةَ أن تتحوَّلَ إلى قسوةٍ في اللفظِ، أو تشدُّدٍ في الأسلوبِ، أو تعالٍ على الناسِ، ولهذا ربطَ اللهُ نجاحَ الدعوةِ بلينِ الخطابِ، فقال لنبيِّهِ ﷺ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، فالقسوةُ لا تجمعُ، والغلظةُ لا تُصلحُ، والصراخُ لا يُهدي، وإنَّما الذي يُغيِّرُ القلوبَ رحمةٌ صادقةٌ، وكلمةٌ موزونةٌ، وأسلوبٌ حكيمٌ.
انظروا إلى إبراهيمَ عليهِ السلامُ، بدأَ بأقربِ الناسِ إليهِ، بدأَ بأبيهِ، ومع شدّةِ الخلافِ العقديِّ خاطبهُ بأرقِّ خطابٍ، قال تعالى ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42] قال الإمامُ الرازيُّ رحمهُ اللهُ “إِنَّهُ عليه السلام أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ الْحَسَنَ مَقْرُونًا بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي مقدمة كل كلام يا أَبَتِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ الْحُبِّ وَالرَّغْبَةِ فِي صَوْنِهِ عَنِ الْعِقَابِ وَإِرْشَادِهِ إِلَى الصَّوَابِ، وأَنَّ الْهَادِيَ إِلَى الْحَقِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَفِيقًا لَطِيفًا”. (مفاتيح الغيب، الرازي، ج21، ص545)، ومع تهديدِ الأبِ لهُ بالطردِ والرجمِ لم يخرجْ غاضبًا ولا فظًّا، بل قال ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: 47]، ثم خرجَ إلى قومِهِ فجادلهم بالحجّةِ قبلَ كسرِ الأصنامِ، قال تعالى ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: 91].
أيها المسلمونَ وتأمّلوا في موسى وهارونَ عليهما السلامُ، أُرسلا إلى طاغيةٍ، ومع ذلك لم يكنِ الخطابُ قاسيًا، قال تعالى ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: 43-44] قال الطاهر بن عاشور: “وَاللِّينُ مِنْ شِعَارِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ، قَالَ تَعَالَى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النَّحْل: 125] وَقَالَ: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمرَان: 159] “. التحرير والتنوير (ج16، ص225).
وقال الإمامُ الشعراوي رحمهُ اللهُ: يقول عنه الحق تبارك وتعالى {إِنَّهُ طغى} [طه: 43] فلا بُدَّ أنه تجاوز كل الحدود، وبلغ قمة الطغيان، فقوله: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} [طه: 44] وهذا منهج في الدعوة واضح وثابت (تفسير الشعراوي، ج15، ص9276 باختصار).
ثم جاء خاتمُ الأنبياءِ ﷺ، فكان أعظمَ الناسِ دعوةً، وأرحمَهم بالخلقِ، وأحكمَهم خطابًا، جاءهُ شابٌّ يستأذنهُ في الزنا، فلو كان الخطابُ صراخًا لانصرفَ الشابُّ كما جاءَ، لكن النبيَّ ﷺ حاورهُ، وقال «أترضاهُ لأمّكَ» حتى قال الشابُّ كرهتُهُ، ثم وضع يدهُ على صدرِهِ وقال «اللهم اغفرْ ذنبهُ وطهّرْ قلبهُ وحصّنْ فرجهُ» (الطبراني (8/ 162) (7679)، صحيح).
ولما آذاهُ أهلُ الطائفِ ودموهُ، وقال لهُ ملكُ الجبالِ:”يا محمَّدُ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ، وأَنا ملَكُ الجبالِ، وقد بعثَني ربُّكَ إليكَ لتأمرَني أمرَكَ، وبما شئتَ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبَينِ فعلتُ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا» (البخاري (3231)، ومسلم (1795) ) .
أيها المسلمونَ ولهذا كانت هذه الأمةُ خيرَ أمةٍ لا بالعددِ ولا بالاسمِ، بل بالوظيفةِ، قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] ثم بيّن سببَ الخيريةِ فقال ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: “خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، وَلِهٰذَا قَالَ: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ”. (تفسير ابن كثير، ج2، ص94)، فليست الخيريةُ شعارًا يُرفعُ، بل أمانةٌ تُؤدّى.
أيُّها المسلمونَ دخلَ أعرابيٌّ المسجدَ فبالَ فيهِ، فقامَ الصحابةُ ليزجروهُ، فقال النبيُّ ﷺ «دَعُوهُ وهَرِيقُوا علَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِن مَاءٍ، أوْ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ، فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (رواه البخاري 220)، فلو زُجِرَ الأعرابيُّ لنفرتْ نفسُهُ، وربما أبغضَ الدينَ، لكنَّ الحكمةَ حفظتْ حرمةَ المسجدِ، وحفظتْ قلبَ الرجلِ معًا.
أيُّها المسلمونَ ومن هنا قرَّرَ النبيُّ ﷺ قاعدةً عظيمةً في بابِ الدعوةِ والحياةِ فقال «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنزعُ من شيءٍ إلا شانَهُ» (رواه مسلم 2594)، فكلُّ دعوةٍ خلتْ من الرِّفقِ شُوِّهتْ، وكلُّ حقٍّ قُدِّمَ بغلظةٍ رُدَّ، وكلُّ إصلاحٍ فُرِضَ بالقسوةِ انقلبَ إفسادًا.
أيُّها المسلمونَ ومن أخطرِ ما يُفسدُ الدعوةَ أيضًا اليأسُ من الناسِ، واحتقارُهم، والتعاملُ معهم بمنطقِ الهلاكِ العامِّ، وقد حذَّرَ النبيُّ ﷺ من ذلك فقال «إذا قال الرجلُ هلكَ الناسُ فهو أهلكُهم» (رواه مسلم 2623) قال الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ: “أهلكهم على وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ رَفْعُ الْكَافِ وَفَتْحُهَا، الرَّفْعُ أَشْهَرُ وَمَعْنَاهَا أَشَدُّهُمْ هَلَاكًا وَأَمَّا رِوَايَةُ الْفَتْحِ فَمَعْنَاهَا هُوَ جَعَلَهُمْ هَالِكِينَ لَا أَنَّهُمْ هَلَكُوا فِي الْحَقِيقَةِ”. (شرح صحيح مسلم، النووي، ج16، ص175)، فالداعيةُ لا يحتقرُ، ولا يُقنِّطُ، ولا يُغلقُ الأبوابَ، بل يفتحُ النوافذَ، ويُبقي الرجاءَ حيًّا.
أيُّها المسلمونَ وإذا كان هذا منهجَ النبيِّ ﷺ، فقد سارَ عليهِ أصحابُهُ ومن بعدَهم من أئمَّةِ الهدى، قال الإمامُ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ: “ما ناظرتُ أحدًا إلا وتمنَّيتُ أن يُظهرَ اللهُ الحقَّ على لسانِهِ” (حلية الأولياء ج9ــ ص120).
العنصرُ الثالثُ: الدَّعْوَةُ بِالْقُدْوَةِ وَالصَّبْرِ وَالْبَصِيرَةِ
أيها المسلمونَ إن من أعظمِ ما يُفسدُ الدعوةَ أن يُقالَ ما لا يُفعلُ، أو يُدعى إلى ما لا يُجسَّدُ، ولذلك قرنَ اللهُ الدعوةَ بالعملِ الصالحِ، فقال تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: 33]، فالدعوةُ بالقدوةِ أبلغُ من آلافِ الخطبِ، وأقوى من مئاتِ المواعظِ، لأن الناسَ يصدّقونَ ما يرونَ أكثرَ مما يسمعونَ.
أيها المسلمونَ انظروا إلى هديِ النبيِّ ﷺ، كان قرآنًا يمشي على الأرضِ، كما قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها حين سُئلت عن خُلُقِهِ فقالت: “كان خُلُقُهُ القرآنَ” (أحمد (25302)، والنسائي (1601)، والطبراني في المعجم الأوسط، صحيح)، فما دعا إلى خُلُقٍ إلا كان أسبقَ الناسِ إليهِ، ولا نهى عن منكرٍ إلا كان أبعدَ الناسِ عنهُ، فدخلَ الناسُ في دينِ اللهِ لا لأنهم سُبّوا أو أُهينوا، بل لأنهم رأوا نموذجًا صادقًا حيًّا.
أيها المسلمونَ ومن أعظمِ الشواهدِ على الدعوةِ بالقدوةِ قصةُ مصعبِ بنِ عميرٍ رضيَ اللهُ عنهُ، شابٌّ نشأ في نعيمِ مكةَ، فلما آمنَ زهدَ في الدنيا، وبُعثَ إلى المدينةِ داعيةً بلا مالٍ ولا سلطانٍ، فما كان يجلسُ في مجلسٍ إلا دعا، ولا يدخلُ بيتًا إلا أصلحَ، حتى أسلمَ على يديه سعدُ بنُ معاذٍ وأسيدُ بنُ حضيرٍ (السيرة النبوية، ابن هشام، ج1، ص431)، فهكذا تُغيّرُ القدوةُ الصادقةُ مجتمعاتٍ كاملةً.
أيها المسلمونَ ومع القدوةِ لا بدَّ من الصبرِ، فالدعوةُ طريقُ ابتلاءٍ، ولهذا قال اللهُ تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24] قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: ” أَيْ: لَمَّا كَانُوا صَابِرِينَ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ، وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَاتِّبَاعِهِمْ فِيمَا جَاءُوهُمْ بِهِ”. (تفسير ابن كثير، ج6، ص379)، فالصبرُ ليس زينةً خُلُقيةً للداعيةِ، بل شرطُ نجاحهِ.
أيها المسلمونَ انظروا إلى نوحٍ عليهِ السلامُ، دعا قومَهُ تسعمائةٍ وخمسين عامًا، ولم يؤمنْ معهُ إلا قليلٌ، ومع ذلك لم يتركِ الدعوةَ، ولم يبدّلِ الخطابَ، ولم يقل لا فائدةَ، قال تعالى ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14]، فالنتائجُ بيدِ اللهِ، وأما الثباتُ فعلى الداعيةِ.
أيها المسلمونَ والصبرُ في الدعوةِ لا يعني السكوتَ عن الحقِّ ولا التنازلَ عنهُ، بل الثباتَ عليهِ مع احتمالِ الأذى، قال تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94] قال الإمامُ البغويُّ: ” أَي: افرق بالقرآنِ بينَ الحقِّ والباطلِ”. (معالم التنزيل، البغوي، ج3، ص53)، فالميزانُ دقيقٌ بين الصدعِ والصبرِ.
أيها المسلمونَ ومع الصبرِ لا بدَّ من البصيرةِ، فالحماسةُ المجرّدةُ قد تُفسدُ أكثرَ مما تُصلحُ، ولهذا قال اللهُ تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108] قالَ الشَّيخُ الشَّعْرَاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “البَصيرَةُ: هيَ يَقينٌ ونورٌ مَبنيٌّ على بُرهانٍ منَ القَلبِ”. (تفسير الشعراوي، ج12، ص7126)، فليس كلُّ من تكلّمَ داعيةً، ولا كلُّ من تحمّسَ مصلحًا، وإنما الدعوةُ علمٌ وحكمةٌ وفقهُ واقعٍ.
أيها المسلمونَ، أن الدعوةَ إلى اللهِ لا تقومُ بلسانٍ فقط، بل بسلوكٍ صادقٍ، ولا تنجحُ بعجلةٍ واندفاعٍ، بل بصبرٍ طويلٍ، ولا تستقيمُ بحماسةٍ عمياءَ، بل ببصيرةٍ واعيةٍ، فمن جمعَ القدوةَ والصبرَ والبصيرةَ فتحَ اللهُ لهُ القلوبَ، ومن فقدَها ولو رفعَ أصدقَ الشعاراتِ أغلقَ على الدعوةِ أبوابَها.
الخاتمةُ: عبادَ اللهِ هذه هي الدعوةُ التي أرادها اللهُ، دعوةٌ تُصلحُ ولا تُنفِّرُ، تجمعُ ولا تُفرِّقُ، تُهذِّبُ ولا تُقصي، فكونوا دعاةً إلى اللهِ بأخلاقِكم قبلَ أقوالِكم، وبثباتِكم قبلَ خطبِكم، وبرحمتِكم قبلَ شدّتِكم، لعلَّ اللهَ أن يهديَ بكم قلوبًا، ويصلحَ بكم أحوالًا، ويكتبَ لكم أجرًا لا ينقطعُ، اللهمَّ اجعلنا هداةً مهتدينَ غيرَ ضالينَ ولا مضلّينَ، اللهمَّ استعملنا في طاعتِكَ ولا تستبدلنا، وصلِّ اللهمَّ وسلّم وباركْ على سيّدِنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ رب العالمين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن سيّدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُه، أمّا بعدُ ،،
العنصر الرابع: أثرُ المغالاةِ في تكاليفِ الزواجِ
إنَّ المغالاةَ في تكاليفِ الزواجِ من أخطرِ الأسبابِ التي أضعفتْ بنيانَ الأسرةِ، وأخَّرتْ سنَّ الزواجِ، وفتحتْ أبوابًا واسعةً للفتنِ، وجعلتِ الحلالَ صعبًا والمحظورَ سهلًا، وهذا كلُّه على خلافِ هديِ الشرعِ ومقاصدِه العليا في التيسيرِ وحفظِ العفَّةِ وسدِّ ذرائعِ الفسادِ.
فقد دعا الإسلامُ إلى تيسيرِ الزواجِ، وجعلَ القدرةَ الحقيقيةَ معيارًا له، دون تكلفٍ ولا تعجيزٍ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 32]، فلم يجعلِ الفقرَ عذرًا لتعطيلِ الزواجِ، بل قرنَ السعيَ إليهِ بوعدِ اللهِ بالغِنى.
وفي السنةِ الصحيحةِ نهايةُ الوضوحِ في كراهةِ الغلاءِ في المهرِ، فعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: «جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنِّي تزوَّجتُ امرأةً من الأنصارِ، فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هل نظرتَ إليها؟ فإنَّ في عيونِ الأنصارِ شيئًا، قال: قد نظرتُ إليها، قال: على كم تزوَّجتَها؟ قال: على أربعِ أواقٍ، فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: على أربعِ أواقٍ؟ كأنَّما تنحتونَ الفضةَ من عرضِ هذا الجبلِ، ما عندنا ما نُعطيك، ولكن عسى أن نبعثَك في بعثٍ تُصيبُ منه»، قال: فبعثَ بعثًا إلى بني عبسٍ بعثَ ذلك الرجلَ فيهم. (رواه مسلم 1424).
قال الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ في شرحِه: في هذا الحديثِ كراهةُ إكثارِ المهرِ بالنسبةِ إلى حالِ الزوجِ، وأنَّ التكلفَ فيه خلافُ السنةِ (شرح صحيح مسلم). فالنبيُّ ﷺ لم يحرِّمِ المهرَ الكثيرَ، ولكنَّه أنكرَ المغالاةَ التي تُثقلُ كاهلَ الزوجِ وتُعطِّلُ مقصدَ النكاحِ.
ومن أخطرِ آثارِ المغالاةِ: تأخيرُ الزواجِ، وكثرةُ العنوسةِ، وتعريضُ الشبابِ والفتياتِ للفتنِ، وقد حذَّرَ النبيُّ ﷺ من ذلك تحذيرًا صريحًا، فقال: «إذا جاءكم من ترضونَ دينَه وخُلُقَه فزوِّجوه، إلَّا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبيرٌ» (الترمذي 1805، وابن معين في التاريخ 164، والبخاري في التاريخ الكبير 11/83، والبيهقي 13610). فربطَ بين رفضِ الزواجِ بغيرِ مسوغٍ شرعيٍّ، وبين انتشارِ الفتنةِ والفسادِ.
ولتعلمِ الأمةُ أنَّ التيسيرَ في الزواجِ منهجُ السلفِ، لا شعارًا نظريًّا، تأمَّلوا هذه القصةَ العظيمةَ من سيرةِ سيدِ التابعينَ سعيدِ بنِ المسيبِ رحمهُ اللهُ، حين خطبَ الخليفةُ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ ابنتَه لولدِه فأبى، وزوَّجها لتلميذِه عبدِ اللهِ بنِ أبي وداعةَ على درهمينِ، لا لفقرٍ في دينِه، ولا لقلةِ قدرِه، بل تحقيقًا لمعنى التيسيرِ وتقديمِ الدينِ والخلقِ.
ويقصُّ عبدُ اللهِ بنُ أبي وداعةَ قصتَه فيقولُ: فوجدتُها من أجملِ الناسِ، وأحفظِهم لكتابِ اللهِ، وأعلمِهم بسنةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأعرفِهم بحقِّ الزوجِ… ثم بعثَ إليَّ سعيدُ بنُ المسيبِ بعد ذلك بعشرينَ ألفَ درهمٍ. (سير أعلام النبلاء للذهبي 4/233–234).
فانظروا رحمكمُ اللهُ: زواجٌ على درهمينِ، وبركةٌ في الدينِ والعلمِ والأخلاقِ، وهذا هو الزواجُ الذي يريدُه الإسلامُ: زواجًا يُبنى على التقوى، لا على المباهاةِ، وعلى التيسيرِ لا على التعجيزِ.
فاتقوا اللهَ في شبابِكم وبناتِكم، ولا تجعلوا الزواجَ سلعةً تُقاسُ بالأموالِ والمظاهرِ، فإنَّ المغالاةَ تهدمُ أُسرًا قبلَ أن تُبنى، وتفتحُ أبوابَ شرٍّ لا تُغلقُ، والعاقبةُ لمن اتقى واتبعَ هديَ الشرعِ في التيسيرِ والحكمةِ.
المراجع: القرآن الكريم
كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، مسند أحمد، سنن النسائي، المعجم للطبراني. شعب الإيمان للبيهقي. مسند أبي يعلى الموصلي.
تفسيرُ الطبريِّ، تفسير القرطبي، تفسير الرازي (مفاتيح الغيب)، تفسير ابن كثير، تفسير البغوي، تفسير الشعراوي، تفسير محمد سيد طنطاوي (الوسيط)، تفسير الطاهر بن عاشور (التحرير والتنوير)، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر. السيرة النبوية لابن هشام، مدارج السالكين لابن القيم، وابن عدي في الكامل في الضعفاء، حلية الأولياء لأبي نعيم، سير أعلام النبلاء للذهبي، التاريخ لابن معين، التاريخ الكبير للبخاري.
د. أحمد رمضان
خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان
___________________________________
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة
للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات
و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع
و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف










